السيد حيدر الآملي
537
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فإنّ كلّ ذلك إشارة إلى ذلك المعنى أي النّور الوجود الحقيقي ، وظلمة الوجود الإضافي المعبّر عن الأوّل بالحقّ ، وعن الثاني بالخلق . واللَّه أعلم وأحكم هذا من حيث العقل والدّلائل العقليّة . وأمّا من حيث النّقل والدّلائل النّقليّة ، فالَّذي ورد في بالنّسبة إلى الأرواح الصادرة منه المسمّاة بالمصباح والزّجاجة الَّتي هي كالكوكب الدّري الموقد من الشّجرة المباركة الَّتي هي الوجود المطلق والذّات الصّرف البحث يكاد زيتها أي زيت هذه الشّجرة الوجوديّة تضيئ بذاتها لو لم تمسه نار أي نار الأجسام الكدرة والأجساد المظلمة الَّتي هي منبع الظَّلمات الثلث المذكورة لأنّ النّور الإلهي المتعلَّق بالأجسام والأجسام وترتيبها ، لولا احتجابه بظلمات جلابيت البدنيّة والغواشي الحسيّة لأضاء بذاته ورجع إلى عالمه وشاهد ربّه بنوره وعرفه به على ما هو عليه في نفسه وقال بلسان الحال أو القال : عرفت ربّي بربّي ورأيت ربّي بربّي ( 345 ) ، وعرفت معنى قول العارف :
--> ( 345 ) قوله : عرفت ربّي بربّي . أقول : هناك أحاديث تبيّن لنا أنّ معرفة اللَّه الحقيقيّة لا تحصل إلَّا به ، لأنّه أظهر من كلّ شيء بل لا ظهور لما سواه إلَّا به ، وهذا هو الَّذي يحصل للإنسان بالبرهان الصدّيقين لو صحّ أن نعبّر عنه بالبرهان . فنذكر هنا طرفا من تلك الأحاديث مزيدا للفائدة ، وأمّا بيان كلّ ما ورد في هذا الموضوع وشرحها ، وبيان برهان الصديقين وتطوّراته في كلمات الحكماء المتألهين وبيان الفرق بينه وبين الشهود ، فيقتضي مقاما آخر ، وكتبنا فيه رسالة مستقلَّة وبسطنا فيها الكلام . وأمّا ما يناسب أن نذكر هنا من الأحاديث المذكورة فهي ما يلي . ألف - روى الكليني في الكافي ج 1 ، ص 86 ( باب انّه لا يعرف إلَّا به ) الحديث 3 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) انّه قرّر قول القائل : « إنّ اللَّه جلّ جلاله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون باللَّه » فقال : رحمك اللَّه . وروى مثله الصدوق في التوحيد باب أنّه عزّ وجلّ لا يعرف إلَّا به الحديث 1 ، ص 285 . ب - روى الكليني في نفس المصدر الحديث 1 ، بإسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين : « اعرفوا اللَّه باللَّه ، الحديث ، وروى مثله الصدوق أيضا في نفس المصدر الحديث 3 ، والحديث 5 . ج - الصدوق في نفس المصدر الحديث 4 ، بإسناده عن أمير المؤمنين في جواب الجاثليق في ما سئله وقال : أخبرني عرفت اللَّه بمحمّد أم عرفت محمّدا باللَّه عزّ وجلّ ؟ فقال أمير المؤمنين ( ع ) : « ما عرفت اللَّه بمحمّد ( ص ) ولكن عرفت محمّدا باللَّه عزّ وجلّ » ، الحديث . د - الصدوق في التوحيد باب صفات الذات وصفات الأفعال الحديث 7 ، ص 142 ، بإسناده عن الإمام الصادق ( ع ) قال : اسم اللَّه غير اللَّه ، وكلّ شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللَّه ، فأمّا ما عبّرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق ، واللَّه غاية من غاياه ، والمغيّى غير الغاية ، والغاية موصوفة وكلّ موصوف مصنوع ، وصانع الأشياء غير موصوف بحدّ مسمّى ، لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره ولم يتناه إلى غاية إلَّا كانت غيره ، لا يذلّ من فهم هذا الحكم أبدا ، وهو التوحيد الخالص ، فاعتقدوه وصدّقوه وتفهّموه بإذن اللَّه عزّ وجلّ . « ومن زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ، لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره وإنّما هو واحد موحّد ، فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره ، إنّما عرف اللَّه من عرفه باللَّه ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنّما يعرف غيره ، واللَّه خالق الأشياء لا من شيء ، يسمّى بأسمائه فهو غير أسمائه والأسماء غيره ، والموصوف غير الواصف ، فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة ، لا يدرك مخلوق شيئا إلَّا باللَّه ، ولا تدرك معرفة اللَّه إلَّا باللَّه ، واللَّه خلو من خلقه وخلقه خلو منه » ، الحديث . ه - تحف العقول باب كلامه ( ع ) في وصف المحبّة ، عن الإمام الصادق ( ع ) في حديث قال : « من زعم أنّه يعرف اللَّه بتوهّم القلوب فهو مشرك ، ومن زعم أنّه يعبد الاسم دون المعنى فقد أقرّ بالطعن لأنّ الاسم محدّث ، ومن زعم أنّه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع اللَّه شريكا ، ومن زعم أنّه يعبد ( المعنى ) بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ، ومن زعم أنّه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لأنّ الصفة غير الموصوف ، ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغّر بالكبر » ، « وما قدروا اللَّه حق قدره » . قيل له : فكيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السّلام : باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود ، إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه ، قيل : وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السّلام : تعرفه وتعلم علمه ، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أنّ ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : * ( إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) * [ سورة يوسف : 90 ] . « فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب » ، الحديد و - جاء في دعاء السحر الَّذي رواه أبو حمزة الثمالي عن الإمام السّجاد زين العابدين عليه السّلام : « بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدر ما أنت » . رواه الطوسي في مصباح المتهجد في أعمال شهر رمضان ، ( دعاء السحر في شهر رمضان ) ص 582 ، وذكره أيضا السيّد ابن طاوس ص 149 ، في دعاء ليوم الرابع عشر من شهر رمضان ، وجاء أيضا في دعاء آخر لمولانا الحسن بن علي عليهما السّلام ذكره المجلسي في بحار الأنوار ج 94 ، ص 190 ، الحديث 3 نقلا عن مهج الدعوات للسيّد ابن طاوس . ز - جاء في دعاء الصباح لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام : « يا من دلّ على ذاته بذاته » . راجع البحار ج 94 ، ص 243 . ح - وفي دعاء يوم العرفة لسيّد الشهداء أبي عبد اللَّه الحسين صلوات اللَّه عليه : « كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ، ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي الَّتي توصل إليك ، عميت عين لا تراك » . راجع اقبال الأعمال للسيّد ابن طاوس ص 349 ، وبحار الأنوار ج 98 ، ص 225 .